ثمة تحول يستحق التأمل في التشكيلة الحكومية التي أعلن عنها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في العاشر من أكتوبر الجاري. فخلف الأسماء والحقائب الوزارية تتشكل ملامح توجه سياسي أعمق، يتمثل في فتح مواقع متقدمة من السلطة التنفيذية أمام جيل جديد من الكفاءات الوطنية، بما يمنح الوعد الرئاسي بأن تكون المأمورية الثانية «بالشباب ومن أجل الشباب» تعبيرا مؤسسيا يتجاوز حدود الخطاب.
لقد ظل الشباب الموريتاني، لعقود، حاضرا في برامج الحكومات وخطاباتها، لكنه لم يحظ دائما بالمكانة نفسها في مراكز صناعة القرار. واليوم، تكشف التشكيلة الجديدة عن مؤشرات لتحول تدريجي في هذه المعادلة، مع وصول شخصيات من أجيال أحدث إلى حقائب استراتيجية، تحمل إليها تأهيلا علميا متقدما وتجارب مهنية راكمتها داخل البلاد وخارجها.
ولعل اللافت في التركيبة العمرية للحكومة أن معظم أعضائها ينتمون إلى جيلَي السبعينيات والثمانينيات، أي إلى فئة عمرية تتراوح اليوم بين أواخر الثلاثينيات ومنتصف الخمسينيات، مع حضور شخصيات من أجيال أسبق. وهي معطيات تمنح التشكيلة طابعا يجمع بين النضج المهني وحيوية التجديد، وتكشف عن تقدم جيل عاش مراحل التحول السياسي والتكنولوجي والاقتصادي التي عرفتها موريتانيا والعالم خلال العقود الأخيرة.
واللافت أيضا أن هذا الحضور لا يقوم على معيار السن وحده، بل تصاحبه مؤهلات أكاديمية وفنية وإدارية في مجالات حيوية. فوجود كفاءات نسائية في مطلع الأربعينيات، مثل آيساتا لام وهدى بنت باباه وآمال بنت مولود، إلى جانب أطر أخرى من الجيل نفسه، يمنح صورة عملية لما يمكن أن يعنيه تجديد النخبة الحاكمة حين يقترن التأهيل العلمي بالمسؤولية التنفيذية.
إن أهمية هذا التحول لا تكمن في استبدال جيل بآخر، ولا في إقصاء الخبرات المتراكمة، وإنما في تجديد العلاقة بين الدولة وطاقاتها البشرية، وإتاحة الفرصة لجيل نشأ في عالم مختلف، وتشكل وعيه في ظل الثورة الرقمية والعولمة الاقتصادية وتسارع التطور العلمي، ليشارك في رسم السياسات التي ستحدد مستقبل البلاد.
ومن هذه الزاوية، تبدو حكومة المختار ولد أجاي محاولة للجمع بين خبرة المتمرسين وحيوية الأجيال الصاعدة، في مرحلة تحتاج فيها موريتانيا إلى تحديث أدوات الإدارة، وتحرير المبادرة، وتجاوز أنماط التسيير التي لم تعد تستجيب بالسرعة والكفاءة المطلوبتين لحجم التحولات الجارية.
ولعل الرسالة الأهم في هذا الاختيار أن الدولة تستطيع تجديد نفسها من داخل مؤسساتها، وأن تداول المسؤوليات بين الأجيال يمكن أن يشكل مصدرا للاستقرار والتطور معا، متى استند إلى الكفاءة وتكافؤ الفرص، بعيدا عن منطق المحاصصة والولاءات الضيقة.
غير أن مأمورية الشباب لا يمكن اختزالها في أعمار الوزراء، مهما كانت دلالات تعييناتهم. فالمعيار الأعمق لنجاحها هو أن يمتد التمكين من قمة السلطة التنفيذية إلى مختلف مستويات الإدارة والاقتصاد والمجتمع، وأن يجد الشاب الموريتاني، أينما كان، طريقا مفتوحا أمام طموحه، لا تعترضه الحواجز الاجتماعية أو الوساطات أو ضعف الفرص.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية الحكومة الجديدة. فالكفاءات التي وصلت إلى مواقع القرار مطالبة بأن تجعل من تجربتها جسرا تعبر عليه كفاءات أخرى، وأن تعمل على بناء منظومة تتيح للشباب التأهيل والتشغيل والمبادرة والمنافسة العادلة، حتى يصبح الوصول إلى المسؤولية ثمرة طبيعية للاستحقاق، لا استثناء تحكمه الظروف والعلاقات.
إن موقع «موريتانيا الحدث» يرى في هذه التشكيلة مؤشرا يستحق التثمين على بدء تجسيد أحد أبرز تعهدات المأمورية الثانية، وفرصة لتكريس ثقافة سياسية وإدارية أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة، دون التفريط في الخبرة التي تحتاج إليها الدولة لضمان استمرارية مؤسساتها.
لقد بدأت ملامح مأمورية الشباب تظهر في الحكومة، وبات المطلوب أن تتسع لتشمل الإدارة وسوق العمل ومؤسسات الإنتاج ومختلف دوائر المشاركة في الحياة العامة.
فأهمية ما يجري اليوم لا تقتصر على وصول شباب إلى مناصب وزارية، وإنما تكمن في إمكانية أن يؤسس هذا المسار لتحول دائم في طريقة اختيار المسؤولين وإعداد القيادات وإدارة الموارد البشرية للدولة.
وإذا كان وعد مأمورية الشباب قد بدأ يجد ترجمته في التشكيلة الحكومية، فإن اكتمال معناه سيأتي يوم يشعر فيه كل شاب موريتاني أن مستقبله تصنعه كفاءته وجهده، وأن الدولة التي فتحت أبواب الحكومة أمام جيل جديد، قادرة على فتح أبواب الأمل أمام جيل بأكمله.




