
بعد انتقالها من قائمة المراقبة إلى الفئة الثانية عام 2023، موريتانيا تحافظ على تصنيفها للعام الرابع على التوالي .. وواشنطن تسجل ارتفاعا ملحوظا في الملاحقات والإدانات القضائية.
بقلم: عالي محمد ولد أبنو
بروكسل – 19 أكتوبر 2026
للمرة الثانية، جاء التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية بشأن الاتجار بالبشر حاملا تقييما إيجابيا نسبيا للجهود التي تبذلها موريتانيا في مكافحة هذه الظاهرة، بعدما أبقت واشنطن البلاد ضمن الفئة الثانية (Tier 2) في تصنيفها الدولي لعام 2026، مسجلة تقدما في عدد من المؤشرات القضائية والمؤسسية، رغم استمرار بعض أوجه القصور التي تحول دون انتقالها إلى الفئة الأولى.
ويمثل هذا التصنيف استمرارا لتحسن موقع موريتانيا مقارنة بالسنوات السابقة، إذ كانت البلاد مدرجة ضمن الفئة الثالثة، وهي أدنى مستويات التصنيف الأمريكي، قبل انتقالها عام 2020 إلى الفئة الثانية تحت المراقبة، ثم حصولها سنة 2023 على تصنيف الفئة الثانية دون مراقبة، الذي احتفظت به في السنوات 2024 و2025 و2026.
وبذلك تكون موريتانيا قد أمضت أربعة أعوام متتالية في التصنيف الحالي، الذي يعكس، وفق المعايير الأمريكية، اعترافا بوجود جهود حكومية معتبرة لمكافحة الاتجار بالبشر، دون أن يعني استيفاء جميع المعايير الدولية التي تعتمدها واشنطن في تقييم أداء الدول.
من قائمة المراقبة إلى تثبيت التصنيف
تكمن أهمية التقرير الجديد في أنه يأتي بعد مرحلة كانت خلالها موريتانيا تواجه انتقادات أمريكية شديدة بشأن فعالية مكافحة العبودية والاتجار بالبشر، بلغت حد بقائها ضمن الفئة الثالثة سنوات عديدة، ثم وضعها في قائمة المراقبة خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2022.
وكان تقرير عام 2022 قد سجل ضعفا في النتائج القضائية المتعلقة بالاتجار بالبشر، وعدم إحراز تقدم كاف في حماية الضحايا، قبل أن يشهد تقييم 2023 تحولاً مهما، رفع بموجبه التصنيف الأمريكي موريتانيا إلى الفئة الثانية.
واستند ذلك التحول إلى زيادة التحقيقات والملاحقات والإدانات القضائية، وإنشاء آليات مؤسسية متخصصة، وتخصيص موارد لمساعدة الضحايا، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتطوير التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات المعنية بمكافحة الاتجار بالبشر.
وقد واصلت التقارير اللاحقة رصد هذه الجهود، وصولا إلى تقرير 2026 الذي أكد استمرار موريتانيا ضمن الفئة نفسها، مع تسجيل تقدم إضافي في بعض المؤشرات الأساسية.
أرقام قضائية تعزز التقييم الإيجابي
أبرز ما سجله التقرير الأمريكي الجديد ارتفاع عدد الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم قضائيا في جرائم الاتجار بالبشر من 15 شخصا خلال الفترة السابقة إلى 28 شخصا في الفترة المشمولة بالتقييم الجديد.
كما ارتفع عدد المدانين من ثمانية إلى 22 شخصا، وهو تطور يعكس زيادة ملحوظة في عدد الأحكام الصادرة بالإدانة.
وفي جانب التعرف على الضحايا، أشار التقرير إلى ارتفاع العدد من 112 إلى 177 ضحية، بما يعكس توسعا في قدرة الجهات المعنية على اكتشاف حالات الاستغلال ورصدها.
وفي المقابل، انخفض عدد التحقيقات المفتوحة من 26 إلى 19 تحقيقا، وهو ما يكشف أن التحسن في الملاحقات والإدانات لم يصاحبه ارتفاع مماثل في جميع مؤشرات إنفاذ القانون.
وتبرز أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بما سجلته التقارير السابقة، ولا سيما تقرير 2022 الذي كان قد أشار إلى غياب ملاحقات وإدانات جديدة في جرائم الاتجار بالبشر خلال الفترة التي شملها.
المحكمة المتخصصة .. تطور في البنية القضائية
وأولى التقرير اهتماما بالتقدم المؤسسي الذي شهدته موريتانيا في معالجة قضايا الاتجار بالبشر والعبودية الوراثية وتهريب المهاجرين.
وسجل التشغيل الكامل للمحكمة المتخصصة في هذه الجرائم، مشيرا إلى إصدارها 151 حكما خلال فترتي التقييم الأخيرتين في القضايا الداخلة ضمن اختصاصاتها.
كما أشار إلى اعتماد إجراءات تشغيلية جديدة تهدف إلى تحسين التعرف على ضحايا الاتجار بالبشر بين المهاجرين، وهي خطوة تكتسب أهمية خاصة في بلد يشكل نقطة عبور ضمن مسارات الهجرة من غرب إفريقيا باتجاه أوروبا.
ويعكس اهتمام الخارجية الأمريكية بهذه الإجراءات أهمية الانتقال من الاكتفاء بالتشريعات إلى تطوير المؤسسات القضائية والآليات التنفيذية القادرة على تطبيقها.
إشادة بالتقدم وتحفظات بشأن العبودية الوراثية
غير أن الطابع الإيجابي النسبي للتقرير لم يمنع الخارجية الأمريكية من تسجيل تحفظات بشأن عدد من الملفات، وفي مقدمتها مكافحة العبودية الوراثية.
فقد أشار التقرير إلى عدم تسجيل ملاحقات أو إدانات جديدة في هذا النوع من الجرائم خلال الفترة المشمولة بالتقييم، رغم ارتفاع العدد الإجمالي للإدانات المتعلقة بالاتجار بالبشر.
كما سجل استمرار أوجه قصور في التعرف المبكر على الضحايا ضمن الفئات الاجتماعية الأكثر عرضة للاستغلال، وضعف بعض آليات الحماية والمساعدة، فضلا عن الحاجة إلى تعزيز الرقابة على أنشطة التشغيل والتوظيف.
وأثار التقرير كذلك مسائل تتصل بالفساد والتواطؤ المحتمل لبعض الموظفين العموميين، وأورد أن السلطات الموريتانية أفادت بالتحقيق مع 11 موظفا وملاحقتهم في قضايا تتعلق برشى مرتبطة بالهجرة.
وبذلك ميز التقييم الأمريكي بين التقدم المسجل في مكافحة الاتجار بالبشر بصورة عامة وبين النتائج المحققة في ملف العبودية الوراثية على وجه الخصوص، الذي لا يزال يتطلب، وفق التقرير، جهوداً قضائية وتنفيذية إضافية.
ماذا يعني التصنيف الأمريكي الجديد؟
تعتمد وزارة الخارجية الأمريكية في تقاريرها السنوية نظاما يتدرج من الفئة الأولى، المخصصة للدول المستوفية للمعايير الدنيا المعتمدة في مكافحة الاتجار بالبشر، إلى الفئة الثالثة التي تضم الدول غير المستوفية لهذه المعايير والتي لا تبذل جهوداً معتبرة للامتثال لها.
أما الفئة الثانية، التي توجد فيها موريتانيا حاليا، فتشمل الدول التي لم تستوف جميع المعايير المطلوبة، لكنها تتخذ خطوات وجهوداً مهمة للاقتراب من تحقيقها.
ومن هذا المنظور، فإن احتفاظ موريتانيا بهذا الموقع للعام الرابع على التوالي يمثل تثبيتاً للتحسن الذي تحقق عام 2023، ويعكس استمرار الاعتراف الأمريكي بالجهود المبذولة، وإن كان لا يشكل ترقية جديدة في التصنيف.
وتزداد أهمية هذا التطور بالنظر إلى مسار البلاد خلال السنوات الماضية، إذ انتقلت من الفئة الثالثة إلى قائمة المراقبة، ثم إلى الفئة الثانية، قبل أن تتمكن من المحافظة على موقعها فيها خلال أربع دورات متتالية من التقييم.
اعتراف بالتقدم وتحديات المرحلة المقبلة
يمكن قراءة تقرير الخارجية الأمريكية لعام 2026 باعتباره تطورا إيجابيا لصالح موريتانيا من حيث المقارنة التاريخية مع تصنيفاتها السابقة، ومن حيث المؤشرات القضائية والمؤسسية التي سجلها التقرير.
فارتفاع الإدانات والملاحقات القضائية، وتحسن التعرف على الضحايا، وتفعيل المحكمة المتخصصة، كلها عناصر عززت موقع البلاد ضمن الفئة الثانية، وأسهمت في استمرار التقييم الأمريكي الإيجابي نسبيا لأدائها.
ومع ذلك، فإن الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطا بمدى قدرة السلطات على تحويل هذه التطورات إلى نتائج أكثر شمولا، خصوصا في مكافحة العبودية الوراثية، وضمان حماية الضحايا، وتعزيز المساءلة القضائية.
وهكذا، فإن أبرز ما يحمله التقرير الجديد ليس انتقال موريتانيا إلى مرتبة أعلى، وإنما تثبيت المكاسب التي حققتها قبل أربع دورات من التقييم، بعدما كانت في موقع أدنى وأكثر عرضة للانتقادات الأمريكية.
وبين تصنيف متدنٍّ ظلت البلاد تعاني تبعاته سنوات، وموقع أفضل حافظت عليه أربعة أعوام متتالية، ترسم التقارير الأمريكية مسار تحسنٍ تدريجي، لا يخلو من الثغرات، لكنه يؤكد أن موريتانيا استطاعت تغيير موقعها في أحد أبرز التصنيفات الدولية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر.




