
نواكشوط — موريتانيا الحدث الإخبارية
في الأول من نوفمبر من عام 1996، انطلق من استوديو متواضع في العاصمة القطرية الدوحة بث تجريبي لم يتجاوز بضع ساعات، غير أنه حمل في طياته شرارة زلزال إعلامي سرعان ما أعاد تشكيل الوعي الجمعي العربي وهز أركان الخطاب الإخباري العالمي. واليوم، تكمل شبكة الجزيرة ثلاثة عقود من العطاء الصحفي المتواصل، متجاوزة دور القناة الفضائية العابرة للحدود لتغدو فاعلاً جيوسياسياً وظاهرة استثنائية كسرت هيمنة كبريات وكالات الأنباء الغربية على صناعة الخبر، وفرضت مفهوم "تأثير الجزيرة" (The Al Jazeera Effect) بوصفه مادة أساسية في كبريات الأكاديميات الإعلامية والسياسية الدولية.
تعود بدايات هذا المشروع الفريد إلى مرسوم أميري قطري التقط لحظة فارقة تمثلت في إغلاق القسم التلفزيوني العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC Arabic TV) آنذاك، فاستقطبت القناة نخبة من الصحفيين المتمرسين بالمعايير المهنية الصارمة. وسرعان ما اقتحمت الشاشة الوليدة مثلث المحرمات التقليدي في المنطقة—السياسة، والدين، والتابوهات الاجتماعية—راحلين بالجمهور نحو فضاء غير مألوف رفعت فيه شعارها الأثير "الرأي والرأي الآخر". ولأول مرة، وجد المواطن العربي المعارضين والنشطاء، وحتى المسؤولين الإسرائيليين، يتقارعون الحجج على طاولة واحدة؛ مما جعل من برامجها الحوارية الساخنة، من قبيل "الاتجاه المعاكس" و"أكثر من رأي"، مواعيد أسبوعية شبه مقدسة تسمّر الملايين في المقاهي والمنازل وتستنفر غرف القرار السياسي.
ولم تكد القناة ترسي حضورها الإقليمي حتى ألقت بها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على أفغانستان في صلب الساحة الإخبارية الدولية؛ إذ كانت المنفذ التلفزيوني الوحيد الذي نقل وقائع الحرب من داخل كابل وتورا بورا عقب انسحاب الوكالات العالمية. ورغم دفعها أثماناً ميدانية باهظة تمثلت في قصف مكاتبها في كابل وبغداد واستشهاد مراسلها طارق أيوب، واصلت الشبكة مسار التمدد، فتوجته عام 2006 بإطلاق "الجزيرة الإنجليزية". وعكست هذه الخطوة الجريئة تدفق الأخبار عالمياً، ناقلة صوت "الجنوب العالمي" وقضاياه المهمشة إلى الغرب، لتنتزع اعترافاً مهنياً دولياً تُوّج بأرفع الجوائز مثل "بيبودي" و"إيمي".
وجاءت ثورات الربيع العربي عام 2011 لتضع الشبكة في قلب أعتى العواصف؛ حيث تحولت شاشتها إلى غرفة عمليات حية واكبت الميادين في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، متكئة على صحافة المواطن وتدفق مقاطع الهواتف الذكية. غير أن هذا الصعود الجماهيري قابله استقطاب حاد وتضييق واسع طال طواقمها بالاعتقال والإغلاق والملاحقة القضائية، وبلغت ذروة التأثير السياسي عندما وُضع إغلاق القناة على رأس المطالب الـ 13 خلال الأزمة الخليجية عام 2017، وهو الطلب الذي اعتبرته الدوحة حينها مساساً بسيادتها وبحرية الإعلام ورُفض بشكل قاطع.
وفي السنوات القليلة الماضية، تجلت كلفة التغطية الإخبارية بأقسى صورها فوق الأراضي الفلسطينية؛ فكان اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة برصاص الجيش الإسرائيلي في جنين عام 2022 صدمة هزت الضمير الإنساني وأكدت استهداف الشهود. ثم بلغت التضحيات ذروتها خلال حرب غزة الممتدة، حيث باتت الشاشة القطرية تقريباً النافذة الوحيدة الناقلة للمأساة من الميدان عقب حظر الصحافة الدولية. ودفع صحفيو الجزيرة أثماناً دموية قاسية؛ من استشهاد الزميلين سامر أبو دقة وعصام عبد الله، إلى الفاجعة الشخصية لمراسلها وائل الدحدوح الذي فقد أسرته ونجله الصحفي حمزة، وصولاً إلى إقرار الكنيست الإسرائيلي ما عُرف بـ"قانون الجزيرة" لمصادرة معداتها وإغلاق مكاتبها في القدس ورام الله في مسعى لحجب الصورة عن العالم.
واليوم، لا تقف المؤسسة عند حدود شاشتها الأم، بل باتت شبكة عابرة للمنصات تضم ذراعاً رقمياً واسعاً مثل منصات "AJ+" التي تخاطب الأجيال الجديدة بعدة لغات عالمية، إلى جانب الجزيرة مباشر، والجزيرة الوثائقية، ومعهدي التدريب والدراسات الاستراتيجية. ورغم الجدل الملازم لمسيرتها النقدية—لا سيما ما يثيره خصومها حول تقاطع خطها التحريري في بعض المحطات مع التوجهات السياسية للدولة الراعية، والتفاوت في سقف التغطيات بين ملف وآخر—يظل الثابت الأبرز أنها نجحت في انتزاع اعتراف الجميع، مؤيدين ومعارضين، بقدرتها الفائقة على تحريك الرأي العام وفرض الأجندة الإخبارية.
تدخل الجزيرة عقدها الرابع وهي متخندقة في عين العاصفة؛ لم تختر يوماً أن تكون منصة محايدة ببرود أو مجرد ناقل شكلي للبيانات الرسمية، بل صاغت ملامح حقبة إعلامية كاملة انتصرت فيها للصورة الحية من الميدان. ورغم تبدل التحالفات وتسارع التحولات الرقمية، تبرهن التجربة الممتدة لثلاثين عاماً أن الاقتراب من خطوط النار والانحياز لكشف ما يُراد إخفاؤه يظلان سر البقاء والقوة في عالم لا يعترف بالضعفاء.




