
تُقاس عظمة القيادة في التجارب الإنسانية الرشيدة بمدى رسوخها أمام إغراءات اللحظة، وقدرتها على التمييز الحصيف بين صدق النصح الذي يبني الأوطان، وزخرف القول الذي يُورثها العثار. وفي تاريخ الأمم محطات فارقة لا تحسمها كثرة الهتاف، بل يحسمها ثبات المبادئ ووفاء الرجال بالعهود المغلظة.
إن الدساتير لم توضع لتكون نصوصاً تُلوى أعناقها مع كل موسم سياسي، بل كُتبت لتشكل ميثاقاً جامعاً وسياجاً منيعاً يحمي حاضر المجتمع ويؤمن مستقبله. وحين نصت المادة 29 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية على أن يؤدي رئيس الجمهورية قبل تسلمه مهامه ذلك القسم المهيب:
«أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي وظائفي بإخلاص وعلى الوجه الأكمل، وأن أزاولها مع مراعاة احترام الدستور وقوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وأن أسهر على مصلحة الشعب الموريتاني، وأن أحافظ على استقلال البلاد وسيادتها وعلى وحدة الوطن وحوزته الترابية.
وأقسم بالله العلي العظيم ألا أتخذ أو أدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من هذا الدستور».
كان المشرّع الدستوري يدرك، بوعي وطني عميق، أن استقرار هذا الوطن، بتنوعه وحساسية واقعه، إنما يكمن في إغلاق كل باب يُفضي إلى المساس بجوهر التداول السلمي للسلطة. فالقسم لم يُلزم فقط بالامتناع عن اتخاذ المبادرة، بل شمل بالوضوح ذاته تحريم "الدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة"، وهو ما يجعل البراءة من تلك الدعوات، وزجر الساعين إليها بحزم، واجباً دستورياً وأخلاقياً صريحاً لا يحتمل التأويل ولا يكتفي بفضيلة الصمت.
إن أداء هذا اليمين العظيم أمام الله جل جلاله، ثم أمام شعب بأسره شهد على كل حرف منه، هو أعظم وثيقة معنوية بين الحاكم ومحكوميه. «وكفى بالله شهيداً»؛ فالله مطّلع على السرائر، والتاريخ يدون مواقف الرجال، وملايين الشهود من أبناء هذا الوطن يحفظون تلك الكلمات ويرون فيها صمام الأمان لمستقبل بلادهم. وإن أعظم ما يورثه القائد لشعبه، وأصدق ما يخلد ذكره في سجلات الشرف، هو ترسيخ ثقافة الوفاء بالعهد والنزول عند حكم النصوص لا رغبات النفوس.
ولعل أخطر ما يُبتلى به الشأن العام في كل عصر هو ذلك الركام من الخطاب النفعي الذي يتقنه أهل التزلف والمداهنة؛ أولئك الذين يستعذبون التطبيل في كل مرحلة، ويزينون المساس بالثوابت، حاسبين النفاق ولاءً. إن كلام هؤلاء يبدو في ظاهره عذباً حلواً، لكنه في جوهره سراب خادع لا عهد لأصحابه ولا ذمة؛ وإن انصرافهم عند تبدل الأحوال أسرع من ومض البرق، والتجارب من حولنا شواهد ناطقة بأن المصفقين هم أول من يدير ظهره إذا مالت كفة الأيام.
إن المسؤولية التاريخية تحتم التصدي الحازم لكل مبادرة تروج لتجاوز المواد المحصنة، ووأد هذه الأصوات في مهدها صوناً لوحدة الصف ومنعاً لشق السكينة العامة. فالقوة الحقيقية تكمن في البر بالقسم المغلظ، وإفحام كل متملق يظن أن التقرب يكون بالطعن في نصوص الدستور التي ارتضاها الشعب.
إن النصح الصادق هو ما ينبع من الغيرة الحقيقية على استقرار الوطن ومكانة قيادته، لتظل اليمين ناصعة نقية كفلق الصبح. فالعهود أمانة، وحفظ القسم شرف، ويبقى الوطن دائماً فوق كل مطمع وأسمى من كل صوت يتربص بمستقبله.
بقلم : محمد المختار محمد لفظيل




