
طالعتنا الحكومة ببيان رنان يُبشر بتسيير "بعثات وزارية" تجوب إحدى عشرة ولاية داخلية للتحضير لما يُسمى بالمرحلة الثانية من "البرنامج الاستعجالي"، تحت لافتة براقة: "الاستماع للمواطنين وتحديد الأولويات".
لكن، مهلاً، هل وصل العجز الإداري والتخبط التنموي إلى الحد الذي يتطلب إرسال وفود وزارية في مواكب استعراضية باذخة، فقط لتسأل المواطن الموريتاني: "ماذا ينقصك؟"!
ألم تصم آذان الحكومة صرخات العطش التي تجتاح المدن والقرى من أقصى الشرق إلى أقصى الجنوب؟ ألا تدرك الوزارات المعنية أن المراكز الصحية تحولت إلى هياكل إسمنتية بلا أدوية ولا طواقم طبية كافية؟ ألا تشهد الفصول المدرسية المكتظة على تعثر "المدرسة الجمهورية"؟ هل تحتاج هذه البديهيات إلى رحلات مكوكية ونفقات إقامة وضيافة تُستنزف من المال العام، بينما يعيش المواطن البسيط تحت وطأة الغلاء الفاحش وتدهور القدرة الشرائية؟
المفارقة الصارخة تكمن في تجاهل المؤسسات القائمة أصلاً؛ أين هي "المجالس الجهوية" التي بُحت أصوات النظام بالترويج لها كرافعة للامركزية والتنمية المحلية؟ ألم تُنشأ هذه المجالس بانتخابات، وتُرصد لها ميزانيات ومقرات ورواتب من أموال الشعب لمهمة واحدة محددة: تشخيص نواقص الولايات، ورسم خطط تنميتها، ومتابعة مشاريعها؟
إذا كانت الحكومة بحاجة لبعثات وزارية لمعرفة احتياجات المواطنين في لبراكنه أو كيديماغا أو كوركول، فلماذا نُنفق المليارات على مجالس جهوية وممثليات إدارية مشلولة الصلاحيات ومجردة من الدور التنموي؟ أم أن دور المجالس ينتهي عند استنزاف الميزانيات؟
والأنكى من ذلك، أن هذه الحكومة — بقيادة الوزير الأول المختار ولد اجاي — تذهب لتستعرض في الداخل، بينما قلب الدولة وعاصمتها نواكشوط تغرق في أزمات هيكلية خانقة؛ أحياء بلا ماء ولا كهرباء، شبكة طرق مهترئة ومختنقة، ومستنقعات ومشاكل صرف صحي لم تجد لها حلاً جذرياً حتى اليوم!
وينطبق على هذا المشهد تماماً المثل الشعبي الحساني: "حطاب الدشرة، گلبو راص، دار اعليه واحد اوخر"؛ فبدل تفكيك الأزمات المتراكمة وحل المعضلات القائمة التي تثقل كاهل المواطن، تأتي الحكومة ببرنامج استعجالي ثانٍ فوق برامج متعثرة لم تُغلق ملفات نسختها الأولى أصلاً!
إن سياسة "اللقاءات الموسعة" التي يحضرها المنتخبون والوجهاء والأطر، هي نسخة مكررة من مهرجانات التصفيق والمجاملات السياسية؛ لقاءات تُوزع فيها الوعود وتُلتقط فيها الصور، ثم تعود البعثات إلى مكاتبها المكيفة في نواكشوط، ليبقى المواطن يصارع واقعه المرير بصمت.
لقد سئم الشارع من تدوير الفشل ومن اللجان التي تُولد من رحم اللجان. المطلوب اليوم ليس جولات سياحية وزارية لتشخيص ما هو مشخص وموثق في تقارير الإدارة والمجالس منذ سنوات، بل إرادة سياسية حقيقية تضع حدّاً لهدر المال العام، وتُترجم الوعود إلى مشاريع ملموسة تُنهي عطش القرى، وتوفر الدواء، وتُصلح التعليم، وتعيد للمواطن كرامته في الداخل وفي العاصمة على حد سواء.
بقلم: محمد المختار محمد لفظيل




