
سبع سنوات كانت كافية ليكتشف الموريتانيون أن كثرة الحوارات لا تعني كثرة الحلول، وأن المؤتمرات الصحفية لا تُقيمها براعة الخطابة، بل يُقيمها كشف الحساب. ولذلك، فإن المؤتمر الصحفي المرتقب لرئيس الجمهورية لن يقنع الشارع إذا كان مجرد منصة لإنتاج وعود جديدة، بينما ما زالت الوعود القديمة تنتظر من يوقظها من سباتها.
الموريتانيون لا ينسون. فقد سمعوا، بالصوت والصورة، وعدًا بإنشاء قطار حضري يربط مقاطعات نواكشوط، لكنه ظل، في نظر منتقدي الحكومة، قطارًا يسير في الخطب أكثر مما يسير على السكة. وسمعوا وعدًا بألا يُترك أي مواطن على قارعة الطريق، لكن كثيرين يرون أن قارعة الطريق أصبحت أوسع من أن تتسع لكل من ينتظر فرصة عمل أو علاجًا أو سكنًا كريمًا. وسمعوا حديثًا عن رفاه يجعل الموريتاني محل غبطة الآخرين، بينما ما يزال كثير من المواطنين منشغلين بكيفية تأمين أساسيات الحياة قبل التفكير في الرفاه.
ثم يأتي الحديث اليوم عن "الحوار الوطني"، وكأن المشكلة كانت في نقص الاجتماعات، لا في غياب تنفيذ المخرجات. والأسوأ أن من وقّعوا خريطة الطريق هم رؤساء أحزاب موالاة ومعارضة، بينما يرى كثيرون أنهم لا يمثلون إلا جزءًا من المشهد السياسي، ولا يملكون تفويضًا شعبيًا يخولهم احتكار الحديث باسم جميع الموريتانيين. فالشعب لا يُختزل في حفنة من التوقيعات، ولا تُقاس إرادته بعدد المقاعد حول طاولة الحوار.
وما يزيد من اتساع فجوة الثقة أن الموريتانيين اعتادوا، مع تعاقب الأنظمة، مشهدًا يكاد يتكرر بصورة متشابهة: تتشكل طبقة جديدة من رجال الأعمال والنافذين، ويلاحظ كثيرون أن بعض أبرز المستفيدين تكون لهم، في نظر المنتقدين، روابط قرابة أو مصاهرة مع دوائر الحكم. وهذا الانطباع، سواء اتُّفق معه أم اختلف، يثير حفيظة المواطنين، ويغذي الشعور بعدم تكافؤ الفرص، ويبعث برسالة سلبية إلى الأجيال الناشئة مفادها أن النجاح قد يرتبط بالقرب من مراكز النفوذ أكثر مما يرتبط بالكفاءة والاجتهاد، وهو شعور لا يخدم بناء دولة المؤسسات ولا يعزز الثقة في العدالة والمنافسة.
إن ما يحتاجه الموريتانيون اليوم ليس حوارًا لتجميل المشهد، ولا مؤتمرًا صحفيًا لتجديد الوعود، بل مصارحة شجاعة تسبقها مراجعة صادقة لما تحقق وما تعثر، لأن الشعوب قد تصبر على قلة الإمكانات، لكنها لا تصبر طويلًا على تكرار الوعود. فالثقة تُبنى بالإنجاز، والمصداقية تُصنع بالأفعال، أما الشعارات، فقد استهلكها الزمن حتى فقدت بريقها.
محمد المختار محمد لفظيل




