
لم تعد الأزمة في مالي مجرد شأن داخلي يخص دولة مجاورة، بل تحولت إلى ملف إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه تحديات الأمن والسياسة والجغرافيا، وتنعكس تداعياته بصورة مباشرة على منطقة الساحل ودول الجوار، وفي مقدمتها موريتانيا.
منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة إثر انقلابي 2020 و2021، رفعت القيادة الجديدة شعار استعادة السيادة الوطنية، وأعادت صياغة تحالفاتها العسكرية والدبلوماسية، وقدمت المقاربة الأمنية باعتبارها الخيار الحاسم لإنهاء التمرد والجماعات المسلحة. غير أن تطورات الميدان خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما الهجمات المنسقة التي شهدتها البلاد مؤخرًا، تعكس أن المشهد الأمني ما يزال شديد الهشاشة، وأن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق في مناطق مختلفة من البلاد.
إن القراءة الموضوعية للأزمة تكشف أن مالي تواجه في آن واحد تحديات متعددة: تمردًا في الشمال، وتهديدًا مستمرًا من الجماعات المتشددة، واستقطابًا سياسيًا داخليًا، فضلًا عن تعقيدات التحالفات الدولية والإقليمية. وهي عوامل تجعل أي رهان على الحل العسكري وحده رهانًا محفوفًا بالمخاطر، مهما بلغت الإمكانات العسكرية.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن النزاعات ذات الجذور التاريخية والسياسية لا تنتهي بالقوة وحدها، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين الدولة ومختلف مكونات المجتمع، ويمنح الأولوية للحوار والمصالحة إلى جانب حماية الأمن ومكافحة الإرهاب.
أما إقليميًا، فإن استمرار الاضطراب في مالي يمثل مصدر قلق مشروع لدول الساحل. فالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية لا تعترف بالحدود، وكلما اتسعت رقعة الفراغ الأمني، ازدادت احتمالات انتقال التهديدات إلى الدول المجاورة. وقد ظلت موريتانيا، بفضل مقاربتها الأمنية والتنموية، حريصة على تحصين حدودها، مع التأكيد الدائم على أن أمن الساحل مسؤولية جماعية لا يمكن لأي دولة أن تتحملها بمفردها.
واليوم، تبدو مالي أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تنجح في بناء تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة وتحافظ على وحدة الدولة، وإما أن يستمر استنزافها في حرب مفتوحة، ستكون كلفتها باهظة على الشعب المالي أولًا، وعلى الإقليم بأسره ثانيًا.
إن السلام المستدام لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، وإنما بإقامة دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وقادرة على احتضان جميع مواطنيها دون إقصاء. فالدول تُبنى بالتوافق الوطني وسيادة القانون، لا بإدامة الصراع، ولا بتغليب منطق السلاح على منطق السياسة.
موريتانيا الحدث افتتاحية تعبر عن رؤية تحليلية تستند إلى قراءة للوقائع المتاحة، وتهدف إلى الإسهام في النقاش العام حول تطورات منطقة الساحل، مع التأكيد على أن توصيف بعض أطراف الصراع ودوافعها يبقى محل تباين بين الباحثين والجهات المعنية.




