
في خطوة تؤسس لمرحلة مفصلية في تاريخ الاقتصاد الوطني، كشفت الحكومة الموريتانية عن ملامح نهضة صناعية غير مسبوقة، تهدف إلى تحويل الموارد الطبيعية للبلاد إلى ثروة مستدامة تخلق القيمة المضافة وتوفر آلاف فرص العمل للشباب. جاء ذلك خلال افتتاح أعمال الجمعية العامة العادية الخامسة عشرة لاتحادية الصناعة، حيث أدلى معالي وزير المعادن والصناعة، السيد الدي ولد الزين، بتصريحات قوية حملت بشائر مشاريع استراتيجية كبرى.
لقد أوضح الوزير في خطابه أن الحراك الصناعي الذي نشهده اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو "الثمرة المباشرة للمناخ الآمن والبيئة المحفزة التي أرساها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني". هذه الرؤية الاستراتيجية تُرجمت خلال الأعوام المنصرمة إلى إصلاحات جذرية وإعادة هيكلة شاملة رسخت الدعائم القانونية والمؤسسية لقطاع الصناعة.
"منطقة العرية".. قاطرة الصناعة الإفريقية
لعل الإعلان الأبرز الذي سيتوقف عنده المراقبون الاقتصاديون هو بدء العمل في أحد أضخم المشاريع الصناعية على مستوى القارة الإفريقية. فقد أكد معالي الوزير أنه، وإدراكاً لضرورة توفير بنية تحتية عصرية وبناءً على مرسوم الإنشاء الصادر في يناير الماضي، تباشر الوزارة انطلاق الأشغال في "منطقة العرية الصناعية". هذا المشروع العملاق، الذي يمتد على مساحة 800 هكتار جنوب العاصمة نواكشوط، صُمم ليكون القاطرة القائدة للصناعات التحويلية في موريتانيا، مما سيغير وجه الخريطة الاقتصادية للبلاد.
هوية دولية للمنتج الموريتاني وعصرنة شاملة
وفي سياق متصل بالشفافية والسرعة في الإنجاز، كشف الوزير عن تحقيق إنجازات ملموسة تضع الصناعة الموريتانية على سكة التنافسية العالمية، أبرزها:
قطع شوط حاسم في مشروع "البادئة الوطنية" (Barcode)، والذي سيمنح المنتج الموريتاني، لأول مرة، هويته الدولية المعتمدة التي تسهل ولوجه للأسواق العالمية.
استكمال إعداد خريطة صناعية شاملة ودقيقة تغطي كافة الوحدات الصناعية على امتداد التراب الوطني.
تسجيل أرقام قياسية وهامة في مجال حماية الملكية الصناعية والتجارية وبراءات الاختراع، مما يحفز مناخ الابتكار.
الشراكة من أجل الاكتفاء الذاتي
لم يغفل الخطاب الرسمي أهمية الفاعل الخاص في هذه المعادلة، حيث شدد الوزير على العناية الخاصة التي يوليها فخامة رئيس الجمهورية لترقية العلاقة التشاركية بين القطاعين العام والخاص. واعتبر انعقاد الجمعية العامة لاتحادية الصناعة فرصة حقيقية ورهاناً لتكون هذه الشراكة "رافعة وترجمة لبرنامج فخامة الرئيس للمضي قدماً في مشروع الاكتفاء الذاتي في المنتجات الحيوية".
إن هذه المعطيات والأرقام والمشاريع الكبرى تؤكد أن موريتانيا اليوم لا تخطط فقط للمستقبل، بل تبنيه بخطوات واثقة على أرض الواقع، مرسخةً انتقالها من دولة مصدرة للمواد الخام إلى قطب صناعي واعد يسعى لضمان سيادته الإنتاجية وتحقيق اكتفائه الذاتي.




