رسالة من فوق سرير طبي إلى رئيس الجمهورية قبل أن يسبقني القدر إلى الله.

3. أغسطس 2026 - 10:06

تابعت الليلة، كما تابع أكثر من ألف وخمسمائة مشاهد، البث الذي قدمه الأستاذ محمد ولد أمين Mohamed Moine ، بعدما أعلن أنه سيخصصه للحديث عن قضايا أعتبرها من صميم الأزمة الموريتانية: الحوار الوطني المرتقب، وظاهرة الأحزاب التي ولد معظمها بقرار إداري أكثر مما ولد بإرادة شعبية، وجريمة النظام النسبي وما أفضى إليه من تشظي الإرادة العامة، وتقسيم الجسم الانتخابي بطريقة جعلت الصوت الانتخابي يفقد كثيرا من قيمته السياسية، فضلا عن الإخفاقات الاقتصادية التي أهدرت على موريتانيا فرصا تاريخية للتمويل والاستثمار، وأنفقت مواردها في برامج يغلب عليها منطق التجميل السياسي أكثر مما تحكمها فلسفة التنمية المستدامة.

ولعل أخطر ما تعيشه الأمم ليس نقص الموارد، وإنما غياب الرؤية. فالدول قد تنهض من الفقر، لكنها نادرًا ما تنهض من سوء الإدارة حين يتحول القرار العام إلى رد فعل، وتصبح السياسة اليومية بديلًا عن التخطيط الإستراتيجي.

وقد استوقفني كذلك حديثه عن تعطيل العدالة في بعض الملفات التي هزت الضمير الجمعي، سواء تعلق الأمر بضحايا عمليات الاحتيال المالي، أو بقضايا الأموال العامة، أو بملفات التبرعات التي ينتظر الرأي العام معرفة حقيقتها كاملة. فالعدالة لا تؤدي وظيفتها بمجرد إصدار الأحكام، وإنما حين يشعر المواطن أن حقوقه لا تضيع، وأن القانون لا يعرف الانتقائية.

ومع تقديري لكثير مما ورد في هذا البث الهام، فقد بدا لي أن ثمة رسالتين سياسيتين جرى تمريرهما، وأحسب أن من واجب كل من يكتب للشأن العام أن يناقشهما بهدوء ومسؤولية.

الرسالة الأولى تتعلق بإمكانية تعديل النصوص الدستورية المنظمة للمأموريات الرئاسية. وهنا ينبغي التمييز بين سلطة تعديل الدستور والحكمة في استعمالها. فليس كل ما تسمح به موازين القوة يصبح مشروعا من منظور بناء الدولة. إن القيمة الأخلاقية للدستور لا تظهر عندما يقيد الضعفاء، وإنما عندما يلتزم به الأقوياء. ذلك أن الأمم لا تستقر لأن حكامها قادرون على تعديل النصوص، بل لأنها تقتنع بأن هناك نصوصًا تعلو على رغبات الحكام.

أما الرسالة الثانية، فهي ربط أي انفراج في ملف الرئيس السابق بمدى استعداده لطلب العفو أو إظهار الخضوع. وأرى أن هذا المنطق، من حيث المبدأ، يحتاج إلى مراجعة؛ لأن العفو في فلسفة الدولة ليس ثمرة إذلال، بل هو تعبير عن ثقة الدولة في نفسها، وعن قدرتها على التفريق بين تحقيق العدالة وإدامة الخصومة.
فكم من قرار بالعفو كان بداية لمصالحة وطنية، وكم من إصرار على الانتقام أطال عمر الانقسام دون أن يزيد الدولة قوة.

ومن هنا، فإنني أكتب هذه الكلمات لرئيس الجمهورية، لا من موقع الخصومة، ولا من موقع الموالاة، وإنما من موقع المواطن والإبن وابن الأخ والجندي الذي يريد أن يرى وطنه يعبر هذه المرحلة بأقل قدر من الخسائر.

سيدي الرئيس.

لا تجعل التاريخ يذكرك بوصفك الرجل الذي امتلك فرصة ترسيخ التداول السلمي على السلطة ثم فرط فيها.
لا تمس النصوص التي تحدد المأموريات، لأن قيمة رجل الدولة لا تقاس بعدد السنوات التي يحكم فيها، وإنما بالقيود التي يفرضها على نفسه احتراما للدستور.

ولا تنشغل بمن سيخلفك. فليس من وظائف الرؤساء صناعة الخلفاء، وإنما صناعة المؤسسات. اترك الشعب يختار بحرية، واترك القانون يحكم الجميع، فالشعوب قد تختلف في اختياراتها، لكنها لا تغفر لمن يصادر حقها في الاختيار.

وأغلق ملفات الانقسام بروح الدولة لا بمنطق الغلبة. فإن كان القانون يسمح بإنهاء ملف الرئيس السابق، فليكن ذلك بقرار شجاع يصدر عنك، لا عن ضغط، ولا عن مساومة، بل عن قناعة بأن استقرار الدول لا يتحقق بإطالة الخصومات، وإنما بإغلاقها وفق أحكام القانون والعدالة.

وافتح المجال السياسي أمام الجميع، دون استثناء، بمن فيهم بيرام وكل من استوفى الشروط القانونية لتأسيس حزب سياسي. فالتعددية ليست خطرا على الدولة، بل هي أحد مصادر قوتها متى احتكم الجميع إلى القانون.

إن الزعيم الحقيقي ليس من يورث السلطة، وإنما من يورث احترام السلطة. وليس من يترك خلفه رجالا يدينون له بالولاء، وإنما مؤسسات لا تدين إلا للدستور.

وحين يحين يوم المغادرة، غادر كما يغادر الكبار لا تطلب الخلود في الكرسي، بل اطلب الخلود في ذاكرة الوطن.
فذلك هو المجد الذي لا تمنحه صناديق الاقتراع، ولا تنتزعه تقلبات السياسة.

ولنجعل جميعا شعار المرحلة..
لا للحقد، لا للقبلية، لا للجهوية... نعم لدولة القانون، ونعم لدولة المؤسسات، ونعم لموريتانيا التي تتسع لجميع أبنائها، دون غالبٍ أو مغلوب.

هذه ليست كلمات سياسي يسعى إلى منصب، ولا خطاب معارض يبحث عن مكسب، وإنما هي وصية مواطن موريتاني يكتب من فوق سرير في أحد مستشفيات أرض الله الواسعة، ولا يدري هل سيمهله القدر حتى يرى نهاية مأموريتكم.

لذلك، فإنني لا أطلب منكم إلا ما سيبقى لكم عند الله، ثم في ذاكرة التاريخ أن تتركوا موريتانيا أكثر عدلا مما وجدتموها، وأكثر وحدة مما تسلمتموها، وأكثر احتراما للدستور والقانون مما كانت عليه.

فالسلطة إلى زوال، والمناصب إلى أفول، ولا يبقى للإنسان إلا أثره في الناس، وما قدمه لوطنه من عدل وإصلاح، وما جنبه من فتنة وانقسام.

فاجعلوا خاتمة عهدكم بداية لعهد جديد، تطوى فيه صفحات الأحقاد، وتفتح فيه أبواب المصالحة، ويعلو فيه صوت القانون على أصوات المصالح، وتنتصر فيه الدولة للمؤسسات لا للأشخاص.

ذلك هو الإرث الذي يستحق أن يكتب في صفحات التاريخ، لا بعدد سنوات الحكم، وإنما بحجم الوطن الذي يترك موحدا وآمنا للأجيال القادمة.
باباه بيبي

إعلانات